مجموعة مؤلفين
5
نهج الحياة ( مجموعة بحوث ومقالات حول نهج البلاغه )
المقدمة نهج البلاغة ، هذا السفر الخالد إن كتاب نهج البلاغة هو ينبوع متدفق جيّاش ، يزداد تدفّقا كلّما نقّبت فيه كما ظهر مدى اتصاله ببحار المعارف الالهيّة أيضا . فالكتاب ليس رائدا لجيل أو قرن فحسب وإنّما هو رائد لكل الأجيال ولكلّ القرون . ويعود تدفّق نهج البلاغة وخلوده إلى شخصية من أوجده ، فهو ظلّ رقيق لشخصية الإمام علي ( ع ) المشرقة . وليس مضيّ الزمان هو الذي أضفى على السفر بهاءً وعظمة وإنّما هي شخصية الامام الجليلة التي أضفت على تكلم الكلمات روحا وروعة وخلودا . أجل ، إنّ نهج البلاغة هو مجلي للحبّ ومنار للمعرفة ، ودليل للسياسة ، ونبراس للسياسة ، ومنشور للحكم ، وميزان للعدالة ومثار للحماس ، ومعدن للكياسة ، ومنهل للتربية ، ومحراب للعبادة ، ومثال للفصاحة والبلاغة . والغريب في أمر الكتاب أن المشاهد فيه تتغيّر بصورة تريك أن الحقّ قد غلب كلّ الظنون الباطلة ، ويعبّر الشيخ محمد عبده العلّامة المصري الشهير في مقدمته لنهج البلاغة عن هذه الحقيقة بالقول : « . . . فتصفّحت بعض صفحاته وتأمّلت جملا من عباراته من مواضع مختلفات وموضوعات متفرقات ، فكان يخيّل إليّ في كلّ مقام أنّ حروبا شبّت وغارات شنّت ، وأنّ للبلاغة دولة وللفصاحة صولة ، وأنّ للأوهام عرامة ، وللريب دعارة ، وأنّ جحافل الخطابة وكتائب الذرابة في عقود النظام وصفوف الانتظام تنافح بالصفيح الأبلج والقويم الأملج ، وتمتلج المهج براضع الحجج ، فتفل من دعارة الوساوس وتصيب مقاتل الخوانس ، والباطل منكسر ومرج الشك في خمود وهرج الريب في ركود ، وأنّ مدبّر تلك الدولة وباسل تلك الصولة هو حامل لوائها الغالب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، بل كنت كلّما انتقلت من موضع إلى موضع أحسّ بتغيّر المشاهد وتحوّل المعاهد ، فتارة كنت أجدني في عالم يغمره من المعاني أرواح عالية في حلل من العبارات الزاهية ، تطوف على النفوس الزاكية ، وتدنو من القلوب الصافية ، توحى إليها رشادها وتقوم منها مرادها ، وتنفر بها عن مداحض المزالّ إلى جواد الفضل والكمال . . . وأحيانا كنت أشهد أنّ عقلا نورانيا